
This article is available in Arabic only.
ما الدافع وراء تأسيس "حزب الوسط" القائم على مبدأ ديمقراطيّة المعرفة والمشاركة في لبنان؟
الدكتور سمير حسن عاكوم
ينطلق تأسيس حزب الوسط من قراءة نقدية لتجربة الحياة السياسية اللبنانية ومن الحاجة إلى تطوير العمل الحزبي على أساس يتجاوز الاصطفافات التقليدية ويعيد الاعتبار إلى الدولة والمؤسسات والمواطنة والمشاركة الفعلية في صناعة القرار. فقد تركت الحرب اللبنانية وما تلاها من تحولات عميقة أثرًا على مفهوم العمل السياسي والحزبي. وفي مراحل عديدة تداخلت السياسة مع منطق الزعامة والمحاصصة ومراكز النفوذ على حساب فكرة الحزب بوصفه إطارًا مؤسسيًا لإنتاج الأفكار والسياسات وتمثيل المواطنين ومساءلة السلطة. من هنا تأتي فكرة حزب الوسط باعتبارها محاولة لبناء إطار سياسي حديث يجعل المعرفة أساسًا لصناعة القرار والمشاركة أساسًا للشرعية السياسية والمؤسسات أساسًا لإدارة الدولة والمواطنة أساسًا للعلاقة بين اللبنانيين.
ولا ينطلق الحزب من الرغبة في استبدال زعامة بزعامة أو محور بمحور بل من الحاجة إلى تطوير نموذج للعمل السياسي يتيح للبنانيين المشاركة في إنتاج الأفكار والسياسات والقيادات ويجعل الاختلاف مصدرًا للتكامل بدل أن يكون سببًا للانقسام.
يقوم المبدأ المركزي للحزب على مفهوم »ديمقراطية المعرفة والمشاركة« فالديمقراطية في هذا التصور لا تختزل في الانتخابات الدورية بل تشمل قدرة المواطن على الوصول إلى المعرفة وفهم السياسات العامة والمشاركة في مناقشتها والمساهمة في صياغتها ومراقبة تنفيذها. وبذلك تصبح المعرفة عنصرًا أساسيًا في بناء القرار العام وتتحول المشاركة من مجرد اختيار أشخاص إلى مساهمة مستمرة في بناء السياسات والمؤسسات. ويفترض هذا النموذج أن القيادة السياسية ليست امتيازًا شخصيًا بل مسؤولية عامة تقوم على الكفاءة والقيم والقدرة على العمل المؤسسي والاستماع إلى المجتمع ومساءلة الذات.
لا ينظر حزب الوسط إلى الوسطية باعتبارها مجرد موقع يقع بين اليمين واليسار أو بين تيارين سياسيين متعارضين وإنما باعتبارها منهجًا في التفكير وإدارة الاختلاف وصناعة السياسات. فالوسطية تعني البحث عن نقاط الالتقاء الممكنة والابتعاد عن التطرف والاستقطاب والنظر إلى القضايا العامة ضمن منظومة متكاملة بدل معالجتها بصورة مجتزأة. ولهذا يتبنى الحزب مقاربة شمولية (Holistic Approach) ترى أن الاقتصاد لا ينفصل عن التعليم وأن الصحة لا تنفصل عن التنمية وأن العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن النمو الاقتصادي وأن الاستقرار السياسي لا يمكن فصله عن بناء المؤسسات وتعزيز ثقة المواطن بالدولة.
فالسياسة العامة وفق هذا المنظور ليست مجموعة قرارات منفصلة بل منظومة مترابطة تتفاعل عناصرها بعضها مع بعض.
وتستند الوسطية في بعدها القيمي إلى مفاهيم الحق والعدل والخير والمصلحة العامة وإلى قوله تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ والمقصود هنا ليس حصر الوسطية في إطار ديني أو مذهبي بل اعتبارها قيمة إنسانية وسياسية تقوم على الاعتدال والتوازن والعدل والحوار ورفض الإقصاء.
يقرأ حزب الوسط خصوصية لبنان انطلاقًا من تعدده الطائفي والمناطقي والثقافي ومن موقعه التاريخي في منطقة المتوسط ومن علاقاته المتعددة مع محيطه العربي والعالم. ولا يتعامل الحزب مع هذا التنوع بوصفه مشكلة ينبغي إلغاؤها بل باعتباره واقعًا اجتماعيًا يمكن تحويله إلى مصدر قوة إذا انتقل المجتمع من إدارة التنوع بمنطق المحاصصة والتنافس على النفوذ إلى إدارته بمنطق المواطنة والشراكة والمؤسسات. ومن هذا المنطلق يطرح الحزب مفهومًا يتجاوز الاستقطاب التقليدي بين اللبنانيين على أساس المحاور الخارجية أو الانقسامات الداخلية باتجاه بناء مساحة وطنية مشتركة تستوعب الاختلاف وتحوله إلى طاقة إنتاجية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالهدف ليس إلغاء الخصوصيات وإنما وضعها ضمن إطار وطني جامع بحيث تصبح التعددية عنصرًا من عناصر قوة الدولة والمجتمع.
يضع حزب الوسط الدولة والمؤسسات الدستورية في مركز رؤيته السياسية، ويعني ذلك دعم دولة تمتلك مؤسسات فعالة وقادرة وإدارة عامة حديثة وقضاء مستقل وسياسات عامة قابلة للقياس والتقييم ومؤسسات رقابية فاعلة وعلاقة واضحة بين المواطن والدولة تقوم على الحقوق والواجبات. كما يرتبط ذلك بتطوير الإدارة اللبنانية وتعزيز الشفافية والمساءلة وتحسين نوعية الخدمات العامة وتحديث آليات اتخاذ القرار وربط السياسات بالنتائج التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وفي هذا الإطار تصبح الدولة إطارًا جامعًا لكل اللبنانيين لا ساحة لتوزيع الامتيازات أو النفوذ.
يرى الحزب أن الاستقرار السياسي والاجتماعي يرتبط بصورة وثيقة بالاستقرار الاقتصادي وبقدرة المجتمع على إنتاج فرص العمل والدخل والعيش الكريم. لذلك يولي أهمية للسياسات التي تشجع الاستثمار المنتج وريادة الأعمال والابتكار وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وخلق فرص العمل وتحسين بيئة الأعمال وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
كما يعطي أهمية خاصة إلى الطبقة الوسطى باعتبارها مكوّنًا أساسيًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ولا يُنظر إلى توسيع الطبقة الوسطى باعتباره هدفًا اقتصاديًا فحسب بل بوصفه جزءًا من بناء مجتمع قادر على المشاركة وتحمل المسؤولية والاستثمار في التعليم والعمل والإنتاج.
يربط حزب الوسط بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، فالاقتصاد في نظره لا يقاس بمعدلات النمو فحسب وإنما بقدرته على تحسين نوعية حياة المواطنين وتوسيع الفرص أمامهم. ومن هنا تبرز قضايا التعليم والصحة والسكن والنقل والحماية الاجتماعية والخدمات العامة وتكافؤ الفرص باعتبارها عناصر أساسية في بناء المجتمع. ويهدف هذا التصور إلى الانتقال من معالجة الأزمات الاجتماعية بصورة ظرفية إلى بناء سياسات مستدامة تستند إلى البيانات والمعايير والمؤشرات وتخضع للتقييم والمراجعة.
يرتكز مفهوم المشاركة في حزب الوسط على أن المواطن ليس متلقيًا للسياسات العامة بل شريك في إنتاجها وتقييمها. وتشمل هذه المشاركة مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والخبراء والنقابات والقطاع الخاص والشباب والبلديات والمجتمعات المحلية إضافة إلى المواطنين في مختلف المناطق، وبذلك يصبح الحوار جزءًا من عملية صناعة القرار وليس مجرد وسيلة لإدارة الخلاف بعد وقوعه.
كما يفترض هذا النموذج أن بناء القيادات السياسية يجب أن يكون عملية مفتوحة تعتمد على المعرفة والكفاءة والخبرة والقدرة على العمل الجماعي بدل أن تكون امتدادًا تلقائيًا للزعامة الشخصية أو الوراثة السياسية.
لا يفصل الحزب بين السياسات القطاعية، فالتعليم يرتبط بالصحة والصحة بالإنتاجية والإنتاجية بالاقتصاد والاقتصاد بالاستقرار الاجتماعي والاستقرار الاجتماعي بفاعلية المؤسسات وثقة المواطن بالدولة. ومن هنا يدعو الحزب إلى تطوير سياسات متكاملة في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والنقل والإسكان والتنمية المحلية ضمن رؤية وطنية تستند إلى الأدلة والمعرفة والتقييم المستمر. فالغاية النهائية للسياسات العامة ليست إنتاج النصوص والقرارات وإنما تحسين حياة الإنسان وتعزيز قدرته على المشاركة والإنتاج وتحمل المسؤولية.
يطرح حزب الوسط مقاربة ترى أن لبنان بحكم موقعه وتركيبته وتاريخه، يستطيع أن يؤدي دورًا يقوم على التواصل بين الثقافات والمجتمعات بدل أن يتحول إلى ساحة دائمة للصراع بين المحاور. وهذا يتطلب سياسة خارجية تحافظ على المصالح الوطنية اللبنانية وتوازن بين علاقات لبنان العربية والدولية وتضع الدولة ومصالح المواطنين في مركز القرار. كما يتطلب إعادة بناء العلاقة بين اللبنانيين المقيمين والاغتراب اللبناني باعتبارهما مكوّنين متكاملين في المشروع الوطني والاقتصادي والثقافي.
في جوهره، يمثل حزب الوسط محاولة للانتقال من نموذج الحزب الذي يتمحور حول الأشخاص إلى نموذج الحزب الذي يتمحور حول الفكرة والمؤسسة والمعرفة والمشاركة، فالعمل الحزبي وفق هذه الرؤية لا يبدأ من السؤال من هو الزعيم؟ بل من أسئلة مختلفة منها ما المشكلة؟ ما أسبابها؟ ما الأدلة المتوافرة؟ ما الخيارات الممكنة؟ ما السياسات الأنسب؟ كيف يمكن تنفيذها؟ وكيف نقيس نتائجها ونراجعها؟ وهنا تلتقي الوسطية مع ديمقراطية المعرفة والمشاركة وسطية في إدارة الاختلاف، معرفة في صناعة القرار، مشاركة في بناء السياسات ومؤسسات في تنفيذها ومراقبتها.
إنها محاولة لبناء ثقافة سياسية تجعل الاختلاف طبيعيًا والحوار منتجًا والمعرفة أساسًا للقرار والمواطنة أساسًا للحقوق والواجبات والدولة الإطار الجامع لكل اللبنانيين. وبهذا المعنى فإن «حزب الوسط» لا يقدّم الوسطية باعتبارها حيادًا بين المواقف بل باعتبارها منهجًا للبحث عن المصلحة العامة وتوسيع مساحات التوافق والاستفادة من التنوع اللبناني وبناء دولة مؤسسات حديثة قادرة على الاستجابة لحاجات مواطنيها.
حزب الوسط - ديمقراطية المعرفة والمشاركة... من المواطن المتلقي إلى المواطن الشريك ومن السياسة القائمة على الأشخاص إلى السياسة القائمة على الفكرة والمؤسسة.